أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

64

شرح مقامات الحريري

فترى الذباب بها يغني وحده * هزجا كفعل الشّارب المترنّم « 1 » وإنما ذكر الحريريّ الرّبوة ، لأن النّبات فيها أحسن وأسلم من نبات الانخفاض ، لأن نبات الانخفاض وخم ، قال اللّه تعالى : كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ [ البقرة : 265 ] ، وقال المتنبي : [ الطويل ] * نحن نبت الرّبّا وأنت الغمام « 2 » * قوله : دماثتهم قيد الألحاظ ، أي سهولة أخلاقهم تقيّد عيون الناظرين إليهم ؛ حتى لا ينظروا إلى غيرهم ، قال ابن المعتز : [ السريع ] منظره قيد عيون الورى * فليس خلق يتلقّاه نحوتهم : قصدتهم ، شغفا : حبّا . * * * فلمّا انتظمت عاشرهم ، وأضحيت معاشرهم ، ألفيتهم أبناء علات ، وقذائف فلوات ؛ إلا أنّ لحمة الأدب ، قد ألّفت شملهم ألفة النسب ؛ وساوت بينهم في الرّتب ؛ حتّى لاحوا مثل كواكب الجوزاء ، وبدوا كالجملة المتناسبة الأجزاء ، فأبهجني الاهتداء إليهم وأحمدت الطّالع الّذي أطلعني عليهم ، وطفقت أفيض بقدحي مع قداحهم ، وأستشفي برياحهم لأبراحهم ، حتّى أدتنا شجون المفاوضة ، إلى التحاجي بالمقايضة ، كقولك إذا عنيت به الكرامات : ما مثل النّوم فات ؛ فأنشأنا نجلو السّها والقمر ، ونجني الشّوك والثّمر . * * * انتظمت : سرت معهم في نظام واحد ، والنظام الجوهر . معاشرهم : مصاحبهم ألفيتهم : وجدتهم ، أبناء علّات ، أي غرباء من بلاد مختلفة ، وبنو العلّات : الذين أبوهم واحد وأمّهاتهم شتى قذائف فلوات ، أي قد رمت بهم القفار ، والطرق المختلفة واحدتها قذيفة ، وهي التي يقذف أي يرمى بها . لحمة ، أي قرابة . ألفت شملهم : أي جمعت

--> ( 1 ) يروى صدر البيت : وخلا الذباب بها فليس ببارح وهو في ديوان عنترة ص 197 ، وأساس البلاغة ( هزج ) . ( 2 ) صدره : أين أزمعت أيهذا الهمام والبيت في ديوان المتنبي 3 / 343 .